الشيخ محمد هادي معرفة
153
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
ما جاء به هذا الحديث بمذهب المشبّهة الذين زعموا أنّ اللّه سبحانه لم يزل متكلّما بالقرآن - أي القول بقدم القرآن - ومخبرا عمّا سيكون بلفظ كان ، وقد ردّ عليهم أهل التوحيد بنحو ما ذكرناه . قال : وقد يجوز في الخبر الوارد بنزول القرآن جملة في ليلة القدر : أنّه نزلت جملة منه ليلة القدر ، ثمّ تلاه ما نزل منه إلى وفاة النبيّ صلى الله عليه وآله فأمّا أن يكون نزل بأسره وجميعه في ليلة القدر فهو بعيد عمّا يقتضيه ظاهر القرآن ، والمتواتر من الأخبار ، وإجماع العلماء على اختلافهم في الآراء . . . « 1 » وقال المرتضى علم الهدى قدسسره : « والذي ذهب إليه أبو جعفر ابن بابويه قدسسره من القطع على أنّه انزل جملة واحدة . . . » إن كان معتمدا في ذلك على الأخبار المرويّة التي رواها ، فتلك أخبار آحاد لا توجب علما ولاتقتضي قطعا . وبإزائها أخبار كثيرة أشهر منها وأكثر ، تقتضي أنّه انزل متفرّقا ، وأنّ بعضه نزل بمكة وبعضه بالمدينة ، ولهذا نسب بعض القرآن إلى أنّه مكّيّ وبعضه مدنيّ . وأنّه صلى الله عليه وآله كان يتوقّف عند حدوث حوادث ، كالظهار وغيره ، على نزول ما ينزل إليه من القرآن ، ويقول صلى الله عليه وآله : ما أُنزل إليّ في هذا شيء ولو كان القرآن انزل جملة واحدة لماجرى ذلك ، ولكان حكم الظهار وغيره ممّا يتوقّف فيه معلوما له . ومثل هذه الأُمور الظاهرة المنتشرة لا يرجع عنها بأخبار الآحاد خاصة . فأمّا القرآن نفسه فدالّ على ذلك ، وهو قوله تعالى : « وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً » ولو كان انزل جملة واحدة لقيل في جوابهم قد انزل على ما اقترحتم ، ولا يكون الجواب : « كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا » « 2 » وفسّر المفسّرون كلّهم ذلك بأن قالوا : المعنى إنّا أنزلناه كذلك أي متفرّقا يتمهّل على إسماعه ويتدرّج إلى تلقّيه . والترتيل أيضا إنّما هو ورود الشيء في أثر الشيء ، وصرْف ذلك إلى العلم به غير صحيح ، لأنّ
--> ( 1 ) - شرح عقائد الصدوق ( تصحيح الاعتقاد ) ، ص 58 . ( 2 ) - الفرقان 32 : 25 .